العيني
106
عمدة القاري
أي : إن قيل لرجل يعني : لو قال رجل لرجل لتشربن الخمر وأكرهه على ذلك ، أو قال : لتأكلن الميتة وأكرهه على ذلك ، أو قال له : لتبيعن عبدك وأكرهه على ذلك ، وهذه الألفاظ الثلاثة كلها مؤكدة بالنون الثقيلة وباللامات المفتوحة في أوائلها . قوله : أو تقر أي : أو قال له : لتقر بدين لفلان وأكرهه على ذلك ، أو قال له : تهب هبة لفلان وأكرهه على ذلك ، قوله : وكل عقدة لفظ كل مضافة إلى لفظ عقدة وهو مبتدأ وخبره محذوف أي : كذلك ، نحو أن يقول : لتقرضن أو لتؤجرن ونحوهما . ويروى : أو تحل عقدة ، عطف على ما قبله ، وتحل فعل مضارع مخاطب من الحل بالحاء المهملة ، قال الكرماني : المراد بحل العقدة فسخها . قوله : أباك أو أخاك في الإسلام ، إنما قيد بالإسلام ليجعله أعم من الأخ القريب من النسب . قوله : وسعه ذلك ، أي : جاز له له لنقتلن أباك أو قال أي الأكل والشرب والإقرار والهبة لتخليص الأب والأخ في الدين ، يعني : المؤمن عن القتل . وقال ابن بطال : مراد البخاري أن من هدد بقتل والده أو بقتل أخيه في الإسلام إن لم يفعل شيئاً من المعاصي أو يقر على نفسه بدين ليس عليه ، أو يهب شيئاً لغيره بغير طيب نفس منه ، أو يحل عقداً كالطلاق والعتاق بغير اختياره ، فله أن يفعل جميع ما هدده به لينجو أبوه من القتل ، وكذا أخوه المسلم . قوله : لقول النبي دليل . قوله : أو أخاك في الإسلام ، وقد تقدم هذا الحديث في : باب المظالم . وقال بَعْضُ النَّاسِ : لوْ قِيلَ لهُ لَتَشْرَبَنَّ الخَمْرَ أوْ لَتأْكُلَّنَّ المَيْتَةَ . أوْ لَتَقْتُلَنَّ ابْنَكَ أوْ أباكَ أوْ ذا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ لم يَسَعْهُ ، لأنَّ هاذا لَيْسَ بِمُضْطَرَ ثُمَّ ناقَضَ ، فقال : إنْ قِيلَ لهُ لَنَقْتُلَنَّ أباكَ أوِ ابْنَكَ أوْ لَتَبِيعَنَّ هاذا العَبْدَ أوْ تُقِرُّ بِدِينٍ أو تَهَبُ ، يَلْزَمُهُ في القِياسِ ، ولاكِنَّا نَسْتَحْسِنُ ونَقُولُ : البَيْعُ والهِبَةُ وكُلُّ عُقْدَةٍ في ذالِكَ باطِلٌ ، فَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مُحَرِّمٍ وغَيْرِهِ بِغَيْرِ كِتابٍ ولا سُنَّةٍ . قيل أراد ببعض الناس الحنفية . قوله : لو قيل له أي : قال ظالم لرجل وأراد قتل والده : لتشربن الخمر أو لتأكلن الميتة . قوله : أو لنقتلن ابنك أي : أو قال : لنقتلن ابنك إن لم تفعل ما أقول لك . قوله : أو ذا رحم محرم أي : أو قال : لنقتلن ذا رحم محرم لك إن لم تفعل كذا ، والمحرم هو من لا يحل نكاحها أبداً لحرمته . قوله : لم يسعه أي : لم يسعه أن يفعل ما أمره به لأنه ليس بمضطر في ذلك لأن الإكراه إنما يكون فيما يتوجه إلى الإنسان في خاصة نفسه لا في غيره ، وليس له أن يدفع بها معاصي غيره ، فإن فعل يأثم ، وعند الجمهور : لا يأثم . وقال الكرماني : يحتمل أن يقال : إنه ليس بمضطر لأنه مخير في أمور متعددة والتخيير ينافي الإكراه . وقال بعضهم . قوله : في أمور متعددة ليس كذلك ، بل الذي يظهر أن : أو ، فيه للتنويع لا للتخيير وأنها أمثلة لأمثال واحد . قلت : ما الذي يظهر أن : أو ، فيه للتنويع ؟ بل هي للتخيير لأنها وقعت بعد الطلب . قوله : ثم ناقض الضمير فيه يرجع إلى بعض الناس بيان التناقض على زعمه أنهم قالوا بعدم الإكراه في الصورة الأولى ، وقالوا به في الصورة الثانية من حيث القياس ، ثم قالوا ببطلان البيع ونحوه استحساناً ، فقد ناقضوا إذ يلزم القول بالإكراه ، وقد قالوا بعدم الإكراه . قلت : هذه المناقضة ممنوعة لأن المجتهد يجوز له أن يخالف قياس قوله بالاستحسان ، والاستحسان حجة عند الحنفية . قوله : فرقوا بين كل ذي رحم محرم وغيره بغير كتاب ولا سنة أراد به أن مذهب الحنفية في ذي الرحم بخلاف مذهبهم في الأجنبي ، فلو قيل لرجل : لتقتلن هذا الرجل الأجنبي أو لتبيعن كذا ، ففعل لينجيه من القتل لزمه البيع ، ولو قيل له ذلك في ذي رحم محرم لم يلزمه ما عقده . قلت : هذا أيضاً بطريق الاستحسان ، وهو غير خارج عن الكتاب والسنة . أما الكتاب فقوله تعالى : * ( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَائِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَائِكَ هُمْ أُوْلُو الاَْلْبَابِ ) * وأما السنة فقوله ما رآه المؤمنون حسناً فهو عند الله حسن وقال الكرماني : وما ذكره البخاري من أمثال هذه المباحث غير مناسب لوضع هذا الكتاب إذ هو خارج عن فنه . قلت : أنكر عليه بعضهم هذا الكلام ، فقال : للبخاري أسوة بالأئمة الذين سلك طريقهم : كالشافعي وأبي ثور والحميدي وأحمد وإسحاق ، فهذه طريقتهم في البحث . انتهى . قلت : لم يسلك أحد منهم فيما جمعه من الحديث خاصة هذا المسلك ، وإنما ذكروا في مؤلفات مشتملة على الأصول والفروع ، وإن ذكر أحد